السيد محمد تقي المدرسي

30

من هدى القرآن

المتخلف ، وتلقي بمسؤولية الهداية على الله بمعنى الجبر عليها أو المنع جبرا عنها . وقد أشار السياق إلى سفاهة مجمل تصوراتهم ، فهم جهلوا مقام الخالق فجعلوا له من عباده جزءا ، ولو عرفوا شيئا من معنى الخلق والإنشاء وإحاطة الرب قدرة بكل شيء ، وأن أمره بين الكاف والنون من كلمة كُن [ يس : 82 ] وفي لحظة إرادة يبتدع ملايين المجرات . . أقول : لو عرفوا شيئا من ذلك لسفهوا أنفسهم ، ولم يزعموا أن له مراتب وجودية يتنزَّل بواسطتها ليكون جزءاً منه في مخلوقاته ، سبحانه الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . ولو عرفوا أن مهام الملائكة مهام صعبة لا تليق بالنساء الناعمات ، فمن مهامهم اقتلاع قرى لوط عن أعماقها ثم قلبها وتدميرها ، ومن مهامهم بيان أعظم الحقائق وأدقها ، ومخاصمة المبطلين ، فكيف تليق بمن ينشأ في الحلية ، ولا يفصح في الجدال ؟ ! . لو عرفوا ذلك لما زعموا أن الله اصطفى البنات على البنين . ولو عرفوا قرب الملائكة من الله ، ومدى كرامتهم عنده - لأنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون - لما عادوهم وضربوا لهم المثل السيئ الذي رفضوه لأنفسهم حين قالوا أنهم إناث . كلا . . إنهم عباد الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء ، وما داموا عبادا فهم فوق ما ينسب إليهم من الأنوثة - وهي مرتبة أدنى في زعمهم - ودون ما يتصور من أن فيهم جزءاً من الألوهية . ولأنهم عباد الرحمن فلا يجوز أن يتخذ منهم الرحمن بنات ، وقد شملت رحمته كل خلقه ، وكيف تتفاوت الخليقة تفاوتا ذاتيا ، وهي كلها مخلوقة لرب واحد ، بلى ؛ إنما يتفاضل الخلق بينهم بما يهب الله لهم حسب حكمته البالغة . والآية تنسف أساس النظرة الشيئية إلى المخلوقات التي هي أساس الشرك وأساس كل الزيغ البشري ، ببيان جهلهم المطلق بذلك الغيب ، فهم لم يشهدوا خلق الملائكة فكيف يحكمون بأنهم بنات ! وأساسا ، هل يجوز أن يتحدث الإنسان عما لم يؤت علمه ؟ ! مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ فهم يتكلفون علم ما لا قبل لهم به ، إنهم أرادوا أن يعرفوا كيف آتاهم الله العقل والإرادة ، وكيف يجوز لهذا الإنسان المحدود أن يختار بنفسه ، وأن يتجاوز العوامل الضاغطة ، فوقعوا في ضلال بعيد . إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أرأيت كيف يخمِّن الخرَّاص وزن التمر على النخل ؟ إنه يعتمد على معلومات غير كافية ، يضيف إليها من خياله الخصب مالا يغنيه عن الحق شيئا . ويوحي هذا التعبير بأنهم بنوا على فكرة صحيحة نظرية خاطأ ، فالصحيح هو وجود